تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

محمد بودية

الصورة
محمد بودية

بودية محمد (1932-1973) BOUDIA. رجل مسرح ومناضل عالمي.

 ابن القصبة (العاصمة)، من مواليد 24 فيفري 1932. مثل أغلبية الجزائريين عاش طفولة صعبة، كان عصامي. ناضل وكافح داخل فدرالية فرنسا لجبهة التحرير الوطني منذ الساعات الأولى لاندلاع الثورة المسلحة. شارك في الأعمال الفدائية وكانت أشهر عملية هي تخريب وحرق مجمع البترول بتارخ 25 أوت 1958 بمنطقة موربيان بالقرب من مارسيليا، المدينة التي ألقي عليه القبض فيها في سبتمبر من نفس السنة حيث حكم عليه بعشرين سنة سجنا.

 فر من المعتقل سنة 1961 والتحق بفرقة المسرح التابعة لجبهة التحرير تحت إشراف مصطفى كاتب وعين محمد بوديا مسيرا إداريا للفرقة. بعد الاستقلال عاد إلى أرض الوطن وشارك مع مصطفى كاتب في تأسيس المسرح الوطني الجزائري والذي أصبح مدرا له سنة من بعد. ومما لاشك فيه أن المسرح الجزائري آنذاك كان «حامل راية» الجزائر المكافحة والمناضلة بنيلها العديد من الجوائز المسرحية الدولية. أن تكون على راس مؤسسة ثقافية وفنية تقوم بدور تعبوي وتجنيدي مثل المسرح الجزائري الذي كان في أوجه يدل على عظمة الرجل وثقافته العامة الذي اكتشف المسرح وعمره فقط 17 عام. لقنه محمد غريبي مختلف وجوه وفنون هذا الفن. لقد اصبح غريبي « الرفيق والصديق المثقف» لبوديا. كانت الساحة الفكرية والثقافية آنذاك في حاجة ماسة إلى دورية أو مجلة تعبر فيها عن همومها وطموحاتها وكان محمد بوديا هو من وفر لها ذلك... حيث أسس مجلة « نوفمبر» التي أصبحت فضاء للتعبير للكثيرين من المثقفين والمبدعين وبخاصة المبدع مالك حداد، والمثقف مراد بوربون، والشاعر مصطفى تومي والروائي رشيد بوجدرة وغيرهم... حسه الفطري وغريزته في التسيير الجدي جعله يؤسس في 14 أفريل 1964 يومية «الجزائر هذا المساء» باللغة الفرنسية (في هذه الفترة كانت تصدر مجلة الجماهير باللغة العربية والتي كان يكتب عليها يسارا في الصفحة الأولى. تغيرت حياة محمد بوديا جذريا مع تغير نظام الحكم في الجزائر بتاريخ 19 جوان عام 1965 حينما أطاح بومدين بن بلة حيث انقلبت حياة بوديا بانتقاله من جديد إلى فرنسا بعد «الانقلاب» وصحح في مساره بعد «التصحيح» الذي حدث في وطنه.

وفي المنفى ظهرت وبرزت عبقرية الرجل، حيث كان المسرحي والكاتب والمناضل والسياسي من القلائل الذين جمعوا بين النضال السياسي والنشاط الثقافي. في فرنسا شارك في تأسيس منظمة المقاومة الشعبية وهو تنظيما معارضا للرئيس بومدين. عمل موظفا في مسرح غرب باريس بمساعدة بعض الأصدقاء اليساريين الفرنسيين الذين كانوا مناصرين للثورة الجزائرية أين أسس فرقة المسرح المغاربي بأموال كان قد اقتصدها من أمواله الخاصة وبمساعدة من بعض الجزائريين المناضلين.

 في خضم هذه الظروف المعقدة اقتنع بوديا بحسه وحدسه أن الحل لا يمكن تحقيقه دون حل القضية الفلسطينية وبعدها القضايا لعادلة في العالم خاصة وان الثورة الفلسطينية كانت قد انطلقت منذ سنوات وأن حركة فتح تأكدت بأن الدخول إلى ساحة الرأي العام الدولي لن يتحقق دون اقتحام باريس، عاصمة الإعلام وصناعة الرأي العام آنذاك. ولكن كيف تتمكن منظمة فتح من تحقيق ذلك؟ إذا كانت باريس هي بوابة أوروبا إعلاميا فإن مفتاحها يملكه الجزائريون (يحسنون اللغة والسلوك الباريسي – الفرنسي والأكثر من ذلك للجزائريين رأسمال علاقات نضالية وسياسية بفضل تجربتهم النابعة من اتحادية فرنسا لجبهة التحرير، ولحل العقدة تفطن الفلسطينيون لخلق «شبه لوبي» يقوم بدور التجسير. وهل يجدون أحسن من محمد بوديا؟ بهي الطلعة، يتحكم في اللغة الفرنسية، وتجربته النضالية خلال الثورة الجزائرية داخل الساحة الفرنسية قوية ومتينة ثقافيا وسياسيا: مناضل وإعلامي هذا المهم، والأهم أن بوديا يدير ويسير فرقة مسرحية معروفة ومستتبة داخل باريس.

تمكن بودبا من تأسيس شبكة عالمية من المناصرين للقضية الفلسطينية وكسب تعاطف الكثير من رجال الإعلام الفرنسي والأوروبي لصالح الفلسطينيين. وربط علاقات وطيدة مع المناضل العالمي كارلوس ونظم وخطط للعديد من العمليات الفدائية ضربت مصالح الموصاد ويوم قبل سفره إلى دمشق، لتلقي دروسا مكثفة في اللغة العربية التي لم يكن يتحكم فيها قراءة وكتابة، كان ضحية عملية إرهابية نصبها له جهاز المخابرات الإسرائلية «دلتا» يوم 28 جوان عام 1973 على الساعة العشرة والنصف صباحا وهو يستقل سيارته من نوع رينو 16، وبمجرد جلوسه. موضوع اغتيال بوديا فتحت به الصحافة العالمية صفحتها الأولى حيث كان حديث الساعة أكثر من حديثها عن اغتيال الهمشري. هل وقع بوديا ضحية لقنبلة كان يحملها؟.. كل هذه الفرضيات واردة في تقرير الشرطة الجنائية». أما جريدة لوفيغارو المعروفة بعدائها لبوديا والفلسطينيين فكتبت «سيارة بوديا لم تكن ملغمة». وفي نفس اليوم كتبت «لومانيتي» صحيفة الحزب الشيوعي الفرنسي تقول: « عندما يقتل مناضل عربي لا يمكن اعتبار ذلك إلا حادثا ويعتبر إرهابيا ضحية خطأ بعد كل هذه التعليقات بدأت تظهر خيوط الحقيقة يوم 30 جوان 1973 في ركن الحوادث تتساءل لوموند هل كان محمد بوديا ضحية لعملية أم حادث عابر وفي الوقت الذي كانت فيه الصحافة الفرنسية تتجه إلى اعتبار الحادث عبارة عن خطأ ارتكبه بوديا كما ورد في تقارير الشرطة، كتبت جريدة «لورور» وتخرج وبالبنط العريض «المخابرات السرية الاسرائيلية تورد معلومات تقنية من مصادر مطلعة حول طبيعة القنبلة: «حسب بعض المؤشرات الإسرائيلية بوديا كان ضحية كمين نصبه أعوان المخابرات اليهودية، حيث تم وضع قنبلة تحت مقعد سيارة R16، وهي آلة من نوع جديد، لديها ميزتين أساسيتين، القنبلة تنفجر بمجرد جلوس السائق على كرسي القيادة، والميزة الثانية أن القنبلة لا تحتاج إلى وصل عن طريق الأسلاك الكهربائية مع المحرك فهي تنفجر بطريقة آلية، وهي نفس التقنية التي استعملت في مقتل الزعيم الفلسطيني الهمشري في 18 أكتوبر 1972 وقد صرح مفتش شرطة فرنسي لمراسل جريدة «Jerusalem poste»  لا ننفي أن يكون الإغتيال من قبل أيادي إسرائيلية ولن نخبر أحدا بالحقيقة حتى وإن كانت لدينا الأدلة. ولمدة تجاوزت الأسبوعين احتلا بوديا موضوع الصفحات الأولى للجرائد في 2 جويلية 1973 الصهاينة يعترفون بجريمتهم «الصحافة الإسرائيلية تعترف بالجريمة أكدت جريدة معاريف أمس أن هناك صلة بين اغتيال بوديا وحادث اغتيال القنصل الإسرائيلي في ميلان من جهتها أكدت يديعوت احرنوت من باريس أن محمد بوديا كان خليفة لمحمود الهمشري في الشبكة الأوروبية أيلول الأسود كتبت جريدة Combat «لو كومبا»يوم 2 جويلية 1973. وقال صديق بوديا بيارفيدال ناكي الذي كان من المناصرين للثورة الجزائرية في حوار له بجريدة لوموند: « لقد جاءني تحذير من شخصية فرنسية أن مصالح الاستخبارات الإسرائيلية كانت مهتمة جدا بمعلومات عن محمد بوديا، وعرفت أن إسرائيل تريده، وجاء في جريدة «لورور» بتاريخ 30 جوان عام 1973 «هنا قررت إسرائيل الدخول في الربع الأخير من العملية وتصفيته خاصة وأنه-حسب الموصاد- أنه العقل المدبر والمخطط لعملية ميونيخ». وبالرغم من أن محمد بوديا كان معارضا لبومدين، إلأ أنه دفن في وطنه يوم أول جويلية 1973 بمقبرة القطار بالجزائر العاصمة تلبية لطلب الراحل ياسر عرفات الذي زار قبره للترحم عليه عدة مرات خلال زيارته إلى الجزائر.

الولاية